عبد الوهاب الشعراني
552
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
وفي رواية للترمذي بإسنادين صحيحين مرفوعا : « طوبى لمن هدي للإسلام وكان عيشه كفافا وقنع » والكفاف ما كف عن السؤال . وقال بعضهم : الكفاف ما كان على قدر الحاجة من غير زيادة . وروى مسلم والترمذي : « يقول اللّه عزّ وجلّ : يا ابن آدم إن تبذل الفضل خير لك ، ولا تستكثر شرّ لك » . وروى الترمذي مرفوعا : « من أصبح آمنا في سربه معافى في بدنه عنده قوت يومه فكأنّما حيزت له الدّنيا بحذافيرها » واللّه أعلم . [ لا تأخذ من أحد مالا ولا تأكل طعاما إلا عن طيب نفسه : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن لا نأخذ من أحد مالا ولا نأكل له طعاما إلا إن علمنا طيب نفسه بلا علة ولا نية فاسدة تتبعه على ذلك من حب محمدة أو شهرة تكره ونحو ذلك ونعرف طيب نفسه وعدم طيبها بنور الكشف أو باحتفاف القرائن ، فإن القرائن إحدى الأدلة الشرعية . فيحتاج من يريد العمل بذلك إلى سلوك على يد شيخ ناصح حتى يخرج به من أودية الطمع وشره النفس ، ويصير يقدم أمر آخرته على دنياه ويؤخر رضا نفسه إذا عارضه رضا اللّه . وما رأيت أحدا قام بهذا العهد مثل ما قام به سيدي علي الخواص رحمه اللّه ، كانوا يأتونه بالأموال والأطعمة وفيها العلل فيردها فإذا قالوا له واللّه خاطرنا بها طيب يقول لهم أنا خاطري بها ما هو طيب رضي اللّه عنه . فعلم أننا نراعي حفظ أعمال إخواننا من الآفات كما نراعي أعمالنا ولا نساعدهم فيما ليس فيه أجر لهم ، فنأخذ أموالهم ونأكل طعامهم المعلول لأجل نفع نفوسنا ولا نلتفت لنقص رأس مالهم ، فمن فعل ذلك فقد أساء على نفسه وعلى إخوانه . وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ [ التغابن : 6 ] . روى ابن حبان في « صحيحه » مرفوعا : « إنّ هذا المال خضرة حلوة ، فمن أعطيناه شيئا عن طيب نفس من غير تشرّه نفس بورك له فيه ، ومن أعطيناه شيئا بغير طيب نفس منّا كان غير مبارك له فيه » . وروى ابن حبان في « صحيحه » والإمام أحمد وغيرهما مرفوعا : « إنّ أحدكم ليخرج من عندي بحاجته متأبّطها ، وما هي إلّا النّار ، فقيل يا رسول اللّه فلم تعطيهم ؟ قال : يأبون إلّا أن يسألوا ويأبى اللّه لي البخل » . وقوله متأبطها : أي جاعلها تحت إبطه واللّه أعلم . [ النهي عن سؤال أحد شيئا ونقسم عليه بوجه اللّه إجلالا للّه : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن لا نسأل أحدا ونقسم عليه بوجه اللّه